أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
78
التوحيد
العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر ما يوضح كونه بالصانع العليم ، لا بالطبائع التي هي عاجزة عن الاختيار وجاهلة بالأحوال ، وكذلك جميع الأغذية ، ولا قوة إلّا باللّه . وكذلك باحتماله الخير والشر ومختلف الأحوال دليل صرف تدبيره إلى من لا يوصف بالاحتمال ولا بمختلف الأحوال ، ليكون كل شيء على ما عليه تقديره له ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال قوم : من عرف نفسه الخفيّة عرف ربه ، ونفسه الخفيّة هي الكيان المجعول لصلاح الأمور واحتمال المعالي ، وملك تدبير الخلائق ودرك الخفيّات من الأمور بالفكر والنظر في الأسباب . وما قالوه حسن ، وقد يقع بما ذكرت في معرفة الصانع كفاية عن درك الخفي بما خفي من أحواله ، ووصل إلى العلم بما استتر ، وظهر بالأسباب ، وبه يعرف ما خفي منه ، سمى نفسا أو لا وظهر ، ولا قوة إلّا باللّه . مسألة [ معنى القول بأن اللّه تعالى شيء ] ثم " الشيء " إثبات لا غير ، وإثبات عن الهستيّة ؛ إذ " لا شيء " نفي ، فيعلم بأن اللّه سبحانه شيء ، لا نفى عن نفسه أنه شيء ، إذ ينفى عامة أحوال نفسه ، ويعلمها من غير أن ينفي شيئيتها ، فصار يعرف ربّه لا من الوجه الذي يعرف أنه شيء ، لذلك لم تمنع معرفته بشيئية نفسه المعرفة بربه أنه شيء ؛ إذ لا شيئية دلّته على الرب ، ولا قوة إلّا باللّه . وأما الجسم فهو اسم لكل محدود ، والشيء إثبات لا غير ، وفي وجود العالم على ما عليه دليل الإثبات ؛ لذلك قيل بالشيء ، وفيه - إذ هو متناه لا من حيث الشيئية بل من حيث الحد - دليل نفي الحد عن اللّه جل ثناؤه . إلا أن يراد بالحد الوحدانية والربوبية ، فهو كذلك ، وحرف الحد ساقط لأنه يغلب في الدلالة على نهاية الشيء من طريق العرض ونحو ذلك مما يتعالى عن ذلك ، وذلك معنى الجسم في الشاهد . وفيه أيضا إيجاب الجهات المحتمل كل جهة أن يكون أطول منها وأعرض وأقصر ، فلذلك بطل القول بذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الهويّة في الشاهد كناية عن الوجود ، وتأويله نفي العدم عنه ، واللّه تعالى لم يزل ولا يزال بلا تغيّر ولا زوال ولا انتقال من حال إلى حال ، ولا تحرّك ولا قرار ؛ إذ هو وصف اختلاف الأحوال ، ومن تختلف الأحوال عليه فهو غير مفارق لها ، ومن لا يفارق الأحوال ، وهنّ أحداث ، فيجب بها الوصف بالإحداث ، وفي ذلك سقوط الوحدانية ، ثم القدم ، ثم جري لتدبير الغير عليه ؛ إذ حال من الأحوال لو كانت لذاته